من مذكرات مهاجر للمدينة المنورة (3) .. طفل الإسكندرية المدلل


: 173


: د. احمد فريد مصطفي

: 2019-08-05 12:37:02


:


طفل الإسكندرية المدلل

أحمد فريد مصطفى

الطالب بمدرسة فكتوريا القاهرة 1949م

وُلدت لأبوين يمكن وصفهما بالتوسط في كل شيء : المستوى الإجتماعي، والإقتصادي، والديني ... ولكن لا يمكن وصفهما بالتوسط في حب الوليد الصغير : أحمد ...... والذي أحاطوه بكل الحب والحنان والتدليل، وضحوا من أجله بكل شيء منذ ولادته عام 1939م، ولمدة 7 سنوات كاملة، وحتى بعد وصول الأخ الحبيب عمرو ثم الأخ الحبيب محمد .

وكان هذا الحنان واصلاً من عائلة الوالد : الجدة والأعمام، ومن عائلة الوالدة : الجدة والأخوال والخالات .

إن لهذه المشاعر أثرها العام في إستقرار النفس، وحب الناس، والإطمئنان إلى الحياة، وقيام علاقة إيجابية ليس فيها رد فعل من جهة أو خوف أو عقد من جهات أخرى، أو عنصرية تجاه آخرين داخل محيط العائلة أو خارجها .

بل إن هذا الإستقرار قد فتح باب الحنان والتعاطف والرغبة في المساهمة والمساعدة في السنوات التالية لكل من حولنا من الناس .

أحمد فريد مصطفى

مراحل الطفولة

التعليم الأساسي

فريد بك مصطفى

إيماناً من الوالد يرحمه الله بأهمية التعليم الأجنبي وأن مستواه أفضل من التعليم الحكومي، فقد بدأت مسيرتي التعليمية في مدرسة روضة "مس دافيز" في مصطفى كامل بالإسكندرية !

ونظراً لظروف عمله، فقد إنتقل إلى مدن مختلفة في مصر، فأُدخلت لفصل دراسي في مدرسة "الليسيه فرانسيه" بالقاهرة ثم وُجّهت مرة أخرى للدراسة الإنجليزية في مدرسة "فكتوريا كوليدج"، والتي كانت في حي شبرا ومكثت فيها عدة سنوات أفادتني فيها بتعلم الإنجليزية على أساس متين أَثّر في سلاسة تعليمي بعد ذلك وكذلك مجال عملي ونشاطي العام محلياً وعالمياً .

مدرسة الليسية فرانس

مدرسة "فكتوريا كوليدج"

ومن ابر ز طلابها الملك حسين ويظهر فى منتصف الصورة 

أحمد فريد مصطفى

مدرسة فكتوريا 1949م

عمل الوالد مع النقراشي باشا رئيس وزراء مصر يرحمه الله فترة قصيرة . وذات يوم سأله عن أبنائه وتعليمهم، فأبلغه أن عنده إبن في مدرسة فكتوريا ! فقال له النقراشي : كيف تُدخل إبنك في مدرسة إنجليزية ونحن نحارب الإنجليز  ؟ .

وتأثر الوالد بهذه العبارة، وأخرجني من "فكتوريا كوليدج"، وأدخلني مدرسة القبة النموذجية، والتي سميت مدرسة النقراشي الخاصة بعد إغتيال رئيس الوزراء.

النقراشى باشا

مدرسة النقراشى باشا النموذجية .. صورة حديثة

بورصة القطن بالاسكندرية

قام النقراشي بتعيين الوالد مندوباً من الحكومة لدى بورصة القطن في الإسكندرية، فإنتقلت العائلة إليها ودَخَلتُ مدرسة محرم بك الخاصة لمدة سنة كاملة، ثم عدنا فيها للقاهرة في مدرسة الإبراهيمة في جاردن سيتي، ومنها عدنا للإسكندرية مرة أخرى وقُبلت في مدرسة الرمل الثانوية والتي حصلت منها على الثانوية العامة ثم دخلت كلية هندسة الإسكندرية .

وهنا تجب وقفة حول التعليم الأجنبي والتعليم الوطني أو الحكومي، فبالرغم من المستوى التعليمي والأخلاقي الأفضل، وتعلم لغة عالمية في المدارس الأجنبية إلاً أنها كما عَبّر لي أحد الإخوة من الأمارات : تُفقد الإبن دينه، ووطنيته، ولغته... فالخسارة منها قد تكون فادحة مقارنةً بالمكاسب!

في مدرسة النقراشي النموذجية، رأيت لأول مرة طُلاب يصلون جماعة في مسجد المدرسة - وبالرغم أن الوالد - وخالي عباس، كانا يشجعاني على الصلاة، إلاّ أن تجربة صلاة الجماعة في مسجد المدرسة والوضوء بالماء البارد في الشتاء كانت ذات طابع خاص .

أمّا في مدرسة الرمل الثانوية فكان الطلاب - قبل قيام الثورة - يعملون حلقة صباحية في حوش المدرسة، يلقي فيها أحد الطلاب خطبة أو كلمة مرتجلة .. إضافة إلى صلاة الظهر في مسجد المدرسة ( المصلى ) الصغير . وأذكر أن الطالب الصغير في الجسم والسن : نبيل شعث ( عضو منظمة التحرير حالياً ) كان يُلقي خطباً بليغة، إضافة إلى الأخ محمد حامد سليمان، والأخ جمعة علي جيجي، وغيرهم من الشباب، والذين أثروا في نفسي تأثيراً كبيراً، وحيث كانت المشاعر الإسلامية والوطنية متأججة , ورأيت فيهم مثالاً للشباب الوطني المسلم الصالح، مقابل النماذج الأخرى أو نماذج السينما !

طلاب الثانوية فى زيارة الأقصر وأسوان 1955

مدحت سعد .. أحمد زيد .. نبيل العربى .. يحيى متولى

وفيما يخص الجيران فقد تعرفت على أبناء جيراننا في الإسكندرية في سن السابعة : عائلة سوريال، وتعلمت من جورج سوريال  ركوب الدراجات ، ولازلت أذكر أنهم كانوا يصحبوني معهم إلى "بلاج" سيدي بشر - وهو شاطئ الأغنياء في هذا الوقت - وكذلك إلى الأهرامات في القاهرة، حيث ركبت الخيل لأول مرة في حياتي في سن العاشرة .

المرحلة الجامعية

عندما قُبلت في كلية الهندسة، إخترت قسم الهندسة المعمارية، بناءً على نصيحة الوالدين، وبعض الإخوة الأحبة مثل المهندس/ مراد الزيات، وكان هذا الإختيار أمراً فارقاً في حياتي كذلك .

فالجو العام في قسم العمارة كان جاداً ومثمراً في التعليم وبالذات أن عدد طلاب الدفعة في أول عام كانوا حوالي 25 فقط، وأذكر أننا وصلنا في البكالوريوس إلى 18 . وفي الفترة المسائية، كانت صالات الرسم ( الإستديوهات ) على مستوى أقل من الإنتظام والإنضباط ! ولم يكن يصلي أحد تقريباً ( ما عدا العبد لله )، ولكن في النهاية ونحن نقدم مشروع البكالوريوس أصبح كل الزملاء يصلون -  بفضل الله -  ما عدا واحداً ! .

كلية الهندسة – جامعة الاسكندرية

النشاطات الطلابية كانت محدودة، ولكن أمكن عمل مجلة حائط بإسم مجلة الكمال، قمت بعملها وتعليقها في مبنى الإعدادي، وصَدَر منها عددين - ولم آخذ إذن من أحد ! وأذكر أنني قمت بتنظيم رحلتين بالدراجات، واحدة إلى العجمي غرباً، وأخرى إلى دمنهور شرقاً ! ووصلنا من دمنهور قبل الفجر مما أزعج الوالدين ! كذلك عملنا رحلة أو إثنين للسباحة في شواطئ الإسكندرية.

وبذكر الإجتماعات الأسبوعية ( الأسرة ) كانت عاملاً أساسياً في الإرتقاء بمعارفي الدينية  ( من مرحلة شبه الصفر ) إلى التخصص في السيرة النبوية، وتعلم فقه السنة كلها تقريباً، والتفسير وغيرها من الدراسات الإسلامية حيث إنفتح لنا هذا الباب طوال فترة دراستي الجامعية .

وعن حفظ القرآن الكريم، وفقني الله إلي حفظ أجزاء كثيرة - ولم أصِلْ أبداً إلى أملي بإكمال حفظ القرآن كله - سائلاً الله العفو والمغفرة، وأن يعينني على العناية بما حفظت علماً بأن جزء ليس بالقليل من هذا الحفظ كان في المواصلات، وبالذات ترام الإسكندرية المبارك والذي لم يكن على درجة كبيرة من الإزدحام مثل الآن !

ترام الاسكندرية .. قديما

إنتهت المرحلة الجامعية بتفوق معقول بفضل الله، وتم تعييني في بلدية الإسكندرية، ثم معيداً بقسم الهندسة المعمارية، بكلية الهندسة، وبعد عامين تقدمت للبعثة وتم إبتعاثي على حساب الدولة إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1962م .

نتائج فترة الطفولة والشباب في مصر

فضل الله علينا أن ولدنا من أبوين مسلمين عربيين وبالتالي فإن محبة الإسلام ومحاولة الإلتزام به، ومعرفة المعنى الحقيقي للحياة، ثم محبة اللغة العربية والإعتزاز بها هي أهم سمات هذه الفترة .

التعرف على الجمعيات الإسلامية التي تخدم الإسلام والعرب والإنسانية وتؤدي الرسالة الربانية .

الإقتراب من أفراد الشعب والبسطاء من الناس من جهة، وكذا التعرف على كبار الشخصيات بسبب مستوى الوالد ومسئولياته من جهة أخرى .

عدم الشعور بالعنصرية أو الخوف من الأجانب حيث أنه لم يكن هناك أجانب تقريباً فيما عدا بعض الطلاب السوريين والأردنيين في الجامعة والسعوديين أيضاً والذين كنا نكن لهم المحبة والتقدير، وأذكر منهم الطالب السوري المجتهد/ زهير الأحمدي، والمهندس/ محمد سعيد فارسي والذي أصبح مديراً لبلدية جدة ومن كبار شخصيات المملكة .  

الاقصر .. مع زهير الأحمدى

جامعة الإسكندرية 1960

محبة الرياضة وأنها تكون جزءً من الكيان الشخصي طول العمر .

تقديس الحياة الأسرية في الجو الراقي الذي أوجده الوالدين يرحهما الله والأخوين الحبيبين عمرو ومحمد .   

الـزواج

في هذا الوقت كانت الحرب الخفية ضد الإسلام، والمدّ الواسع للأفكار العلمانية والشيوعية، ولم يكن متاحاً وجود فتاة جامعية - في العائلة أو خارجها - ذات توجه أو مفاهيم إسلامية، فضلاً عن الإلتزام بالحجاب الإسلامي ! .

وتم توفيق الله وإرادته أن أتزوج من عائلة من أفاضل العائلات من سلالة الشيخ/ النواوي ( مفتي مصر سابقاً )، وسلالة طلعت باشا حرب .. أي خيارُ ُ من خيارٍ من خيارْ، ذو خلق رفيع، وإخلاص صادق ومراعاة لمشاعر الآخرين، وحساسية مرهفة، ... ولكن بثقافة فرنسية متجذرة ! .

الشيخ حسونة النواوى

طلعت حرب باشا 

الابنة الحبيبة هدى 

 

وسافرنا سوياً إلى الولايات المتحدة .