من مذكرات مهاجر للمدينة المنورة (2) .. مشروع إعادة إعمار أفغانستان


: 196


: د. احمد فريد مصطفي

: 2019-06-10 02:08:12


:


القضيــة الأفغانيـــة

عندما كنت في الجامعة بالإسكندرية تشرفت بالتعرف على الأستاذ/ هارون المجددي وهو نجل الشيخ/ محمد صادق المجددي، والذي كان سفيراً لأفغانستان في مصر . وعندما إشترك في الصفوف الأولى بمظاهرة كبرى ضد قيام إسرائيل في القاهرة حوالي عام 1948م، أمر الملك ظاهر شاه بإخراجه وطرده من السفارة، فلجأ هو وعائلته إلى مصر !!

الملك ظاهر شاه

وتزوج الأستاذ/ هارون من عائلة الوكيل المشهورة وإشترك في النشاط الإسلامي ودعم القضايا الإسلامية . وتم تعيينه كأمين عام مساعد للجامعة العربية الإسلامية في فترة السادات . 

رشح لي الأخ/ هارون إثنين من الشباب الأفغان للعمل معي بكلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك فيصل هما : الدكتور/ ذبيح الله مجددي والمهندس/ أحمد شاه أحمد زي . وتم لقاء الأثنين في مدينة هيوستن بتكساس حيث كانت تجرى مقابلة الأساتذة الجدد وإنضم كلاهما إلى هيئة تدريس الكلية . وقام الدكتور/ ذبيح بتدريس مادة الخرسانة المسلحة، وقام المهندس/ أحمد شاه بتدريس مادة الهندسة الصحية .

 

جامعة الملك فيصل


وعند إجراء استفتاء لأفضل مُدَرِّس بين الطلاب، فاز المهندس/ أحمد شاه بأكبر عدد من الأصوات كأفضل مدرس بالكلية . وهذا بسبب محبته للطلاب وتفانيه في خدمتهم . وقد أدهشتني هذه النتيجة لأن مادة الهندسة الصحية تعتبر مادة فرعية في الكلية !

 

المهندس / أحمد شاه أحمد زي

عند قيام الإتحاد السوفيتي بغزو أفغانستان، طلب المهندس/ أحمد شاه والدكتور/ ذبيح  الإستئذان للسفر إلى بيشاور في الباكستان لمساعدة آلاف المهاجرين الذين تدفقوا إلى هناك . فطَلبْتُ من الجامعة أن تعيرهما لدعم القضية، فوافق المسئولين، وتمت إعارتهما لعدة سنوات .

قبل إنسحاب السوفيت تشكلت حكومة أفغانية مؤقتة في المنفى، وعين الدكتور/ ذبيح الله، رئيساً لها، والمهندس/ أحمد شاه، نائباً للرئيس، وكان العالم الإسلامي كله مدعِّماً للجهاد الأفغاني ولإغاثة المهاجرين في الباكستان . عندئذٍ حدثت نفسي، أنني إذا لم ألتحق لخدمة المهاجرين والقضية الأفغانية في هذا الوقت ( رئيس الحكومة المؤقته ونائبه هم مرؤوسي السابقين ) فمتى أنضم لهذا الشرف العظيم ؟ 

مشروع إعادة إعمار أفغانستان

رأيت من واجبي منذ أول وصولي إلى بيشاور، الإنشغال بإعادة إعمار المناطق المتضررة، وعمل تصميمات نموذجية للمدارس والوحدات الصحية والمساجد وغيرها وقد شجعني على ذلك أهل الخير في المملكة العربية السعودية .

كما فكرت في إنشاء كلية للهندسة ضمن جامعة الدعوة والجهاد والتي تم إقامتها في بيشاور لتخريج جيل مؤهل من أبناء المهاجرين . ورئيس هذه الجامعة هو الأستاذ الفاضل/ عبد رب الرسول سياف، والذي استحسن فكرة إنشاء هذه الكلية ومنحنا ببعض الغرف في المباني المبنية من الطين التابعة للجامعة وعملت برنامجاً مماثلاً لبرنامج كلية العمارة والتخطيط لقسم العمارة بالمملكة وبدأنا بتدريس المواد الأساسية واللغة الإنجليزية . وساعدنا في نجاح هذا الجهد وجود عدد كبير من المتعلمين الذين جاؤوا من كل العالم لدعم اعمار افغانستان والمهاجرين .

الأستاذ الفاضل/ عبد رب الرسول سياف

ساهم أهل الخير ( والذين يفضلون إخفاء صدقاتهم ) لإنشاء مبنى حديث لكلية العمران والهندسة يحوي الفصول وصالات الرسم، أمّا الورش  والمختبرات فقد كانت في منطقة منفصلة وبدأ بعض الأستاذة الأفغان يتقاطرون على الكلية وتم تخريج دفعتين من الكلية حسب ما أذكر في فروع الهندسة الرئيسية : العمارة، المدني، الميكانيكا والكهرباء .

بيشاور .. باكستان .. كلية العمران والهندسة .. المبنى الرئيسى

بيشاور .. باكستان .. امتداد كلية العمران والهندسة


وعند تحرير أفغانستان استكمل الطلاب دراستهم في جامعة كابل وتخرج منهم العشرات وهم يقودون حالياً عملية إعادة إعمار أفغانستان في كل أرجائها .

وتفضلت حكومة خادم الحرمين الشريفين بالتبرع بأربعين مليون دولار لمشروع إعادة إعمار أفغانستان وعملت ميزانية تغطي إنشاء قطاعات أساسية حسب الجدول أدناه :

 

العنصر

المبلغ المرصود بالدولار

1

المساجد

6.600.000

2

المدارس

4.060.200

3

الوحدات الصحية

4.083.000

4

القرى والمناطق السكنية

2.400.000

5

البلديات      

1.776.000

6

الصناعة

3.035.000

7

برامج التعليم والتدريب

1.300.000

8

المواصلات

1.500.000

9

الزراعة والمياه

4.000.000

10

مؤسسات التمويل

5.000.000

11

مؤسسات التعمير

2.000.000

12

الطاقة

    700.000          

13

الإتصالات اللاسلكية

    500.000

14

الإغاثة ومعونات المهاجرين  

3.000.000

الإجمالي :  حوالي أربعون مليون دولاراً أمريكياً                  40.000.000

                                       

                                       

 

افغانستان .. كابل .. السفير السعودى الوزير أحمد جيلانى والسيد حامد كرزاى

قمت بفضل الله بإنشاء مكتب "مشروعات تعمير أفغانستان" في بيشاور للقيام بالتصميمات اللازمة ثم ليقوم بعد ذلك المهندسين بالنزول إلى القرى والمواقع لتنفيذ هذه التصميمات .

وأذكر في هذا المقام المشاركة الرائعة للمهندس/ مدحت مجاهد، والمهندس/ إسماعيل المعاصري وغيرهم من الإخوة الأفاضل من الأفغان مثل المهندس/ تميم، والمهندس/ عبدالرحيم، والدكتور/ محمد عارف، والمهندس/ جيهان زيب، والأخ/ همايون، والإخوة العرب مثل الأستاذ/ سعد الدين حدبة، والأستاذ/ محمد بدر، والدكتور/ صلاح جاهين . 

وكان العمل رائعاً ورائداً بكل المقاييس وتم تصميم ما يزيد على 400 مشروعاً نفذ منها حوالي 80 مشروعاً فوراً، والباقي تأخر تنفيذه أو قامت جهات أخرى بإستكماله  .

عند خروج السوفيت نزلنا في قافلة مشهودة بمئات السيارات من بيشاور إلى كابل ووصلنا إلى مبنى مجلس الوزراء ونمنا جميعاً على الأرض في أول ليلة ونحن غاية الفرح من تحرر البلاد، على الرغم من استمرار القصف بالصورايخ  .

افغانستان .. جبال كونر

ثم وجدنا مكاناً متواضعاً في منطقة "مكرورايون" في عمارات سكنية شعبية جيدة فحّولنا بعض الغرف إلى مكاتب والآخرى للنوم ولكن الصواريخ لم تمهلنا وقتل لنا سائقين وبدأت الفتنة تحيط البلاد وسرقت بعض سيارات المكتب وأصبح الحصول على الخبز والحياة غاية الصعوبة .

واتصل الإخوة من مكتب بيشاور وطلبوا مني العودة فأرسلت لهم رسالة قلت فيها أنه من المطلوب أن يُقتل لهم شخص عزيز عليهم حتى يتحركوا لإنقاذ الشعب الأفغاني وطلبت منهم أن يذهبوا لكافة المسئولين الحكوميين والمنظمات الخاصة والإسلامية للضغط لإيقاف هذه المجازر التي حصدت آلاف الأبرياء .

ولما رأيت أن النار تشتعل في كابل ولا أمل في التعمير رأيت العودة إلى بيشاور وأدركت خطورة الوضع المحدق بي وبعائلتي، فقررت إعادة العائلة إلى المدينة المنورة ليستكمل الأبناء الصغار دراستهم الإبتدائية . 

وظللت أتردد على كلية العمران والهندسة في بيشاور ومحاولاً إستمرار مشروع التعمير الذي أوقف تمويله في المنتصف !! .

ويجب التنويه هنا على تضحية زوجتي السيدة/ علياء والتي وقفت بجانبي طوال هذه الفترة الصعبة، وعاشت في البيوت الطينية في قرية بابي للمهاجرين التي تُقطع المياه والكهرباء فيها كثيراً، وبالطبع المستوى الصحي العام ضعيف جداً، ولكنها كانت سعيدة بخدمتها للمهاجرين وقدمت الغالي والرخيص لدعمي ودعم قضية من قضايا المسلمين الكبرى، فجزاها الله عنا خير الجزاء، وجزاها خيراً لجهدها الجهيد لحفظ الأولاد في هذا الوسط الموبوء وحرصها على تعليمهم، وإنقاذهم من الأوبئة الخطيرة التي أصيبوا بها !!  

السيدة علياء اثناء حضور محاضرة لى فى جامعة كابل وتجلس فى الصف الأمامى اقصى اليمين

إن القضية الأفغانية كانت ولا زالت قضية من قضايا المسلمين الكبرى، وهي محطة عظيمة من محطات حياتي وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل القليل الذي قدمته فيها .