قصص مشرفة . . . الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية


: 398


: سامي صلاح الدين

: 2019-06-08 07:21:30


:


عرفت مصر الجمعيات الخيرية في نهاية القرن التاسع عشر، وكان الأجانب الموجودون في مصر هم الذين بدءوا هذا الطريق لرعاية أبناء طوائفهم وجنسياتهم. أما الشعب المصري فلم يلتفت إليه أحد، وقد زاد من شدة معاناة البسطاء أن الأشكال التقليدية في رعاية الفقراء ومن على شاكلتهم كالوقف الإسلامي قلت كثيرا عما كانت عليه في السابق، ولم يعد في إمكانها إنجاز الأهداف الاجتماعية وتقديم الرعاية لمن يحتاجها.

ولهذا قرر عدد من وجهاء المصريين وعلى رأسهم “محمد عبده” إنشاء “الجمعية الخيرية الإسلامية” في (أغسطس 1892م) وساندها الخديوي “عباس حلمي”، وكانت هذه الجمعية هي أول عمل اجتماعي في مصر في تلك الفترة، وكانت بداية لتأسيس حركة إصلاح اجتماعي واسعة هدفها خلق مجتمع قادر على التضامن.

الإمام محمد عبده

 

الخديوي عباس حلمي

الجمعية الشرعية.. النشأة الأولى

أسس الشيخ محمود خطاب السبكي -وكان من علماء الأزهر الشريف- الجمعية الشرعية في (غرة المحرم 1301هـ=11 ديسمبر 1912م)، تحت اسم “الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية”، وقد حمل اسم الجمعية هدفها منذ النشأة الأولى، وصار ملازما لها.

 

كان دافع السبكي في ذلك رؤيته للواقع المصري المضطرب في ظل الاستعمار الذي نتج عنه تنحية الشريعة الإسلامية عن حياة الناس، وتغيير مسار التعليم ومناهجه، وما نتج عنه من إهمال للعلوم الدينية والعربية، وبدايات حملة التغريب التي ظهرت في تلك الفترة، وما صاحبها من دعوات بشأن المرأة ودعوات تقلل من قيمة ومكانة الشريعة الإسلامية في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وظهور وتفشي البدع والخرافات التي التصقت بالإسلام من خلال أدعياء التصوف، والفتاوى المندسة في كتب التراث الداعية إلى التكاسل وعدم التكسب، والتي تفقد المسلمين المناعة ضد مقاومة الاستبداد والظلم بشتى أنواعه.

وتخليص المجتمع من أسباب الوهن والضعف من خلال تدعيم قيمة التعاون والتكافل بين أبناء الشعب، وأمام هذه الأزمات والمعضلات رأى “السبكي” أن الخلاص لا يكون إلا من خلال تخليص الدين مما التصق به من بدع وخرافات؛ حتى ينصرف المسلمون إلى أخذ أسباب القوة والمنعة وتخليص المجتمع من أسباب الوهن والضعف من خلال تدعيم قيمة التعاون والتكافل بين أبناء الشعب، فقرر إنشاء “الجمعية الشرعية” لتكون أول منظمة إسلامية تدعو إلى إحياء السنة ومناهضة البدعة. وكان من حكمة الرجل وبصيرته أن وضع للجمعية الناشئة قانونا يبين أغراضها وأهدافها حتى يسير عليها من أراد الانضمام إليها، وأشرك معه في إعداد هذا القانون نخبة من فضلاء المسلمين. وقد صدر هذا القانون مطبوعا في (ربيع الأول 1331هـ= فبراير 1913م)، معتبرا الوعظ هو أهم وسائل تنفيذ أغراض الجمعية، ولذا كانت أول دار تُبنى للجمعية عبارة عن مسجد في منطقة “الخيامية” سنة (1335هـ= 1917م) حيث أصبح ذلك المسجد هو المقر الرئيسي للجمعية.

أهداف الجمعية الشرعية

فمن ينتسب لهذه الجمعية لا بد أن يكون التعاون مبدأه، والعمل بكتاب الله وسنة رسوله ديدنه، وأن يكون رجلا ذا رأي وفكر يستطيع أن ينتخب من له قدم في عمل الخير وهمه في دعوة الناس إلى الخير.

نادت الجمعية الشرعية بالدين الإسلامي ككل لا يتجزأ، كما دعت إلى إحياء السنة المطهرة، ومحاربة البدعة.. يقول السبكي: “فمن ينتسب لهذه الجمعية لا بد أن يكون التعاون مبدأه، والعمل بكتاب الله وسنة رسوله ديدنه، وأن يكون رجلا ذا رأي وفكر يستطيع أن ينتخب من له قدم في عمل الخير وهمه في دعوة الناس إلى الخير”.

وحدد السبكي عددا من الأغراض وراء إنشاء الجمعية الشرعية، منها: نشر التعاليم الدينية الصحيحة والثقافة الإسلامية لإنقاذ المسلمين من المعتقدات الفاسدة والبدع والخرافات، وكذلك فتح المكاتب لتحفيظ القرآن الكريم، وإنشاء المساجد لتقام فيها الشعائر.

أما المحور الثاني لعمل الجمعية فهو القيام بواجب الرعاية الاجتماعية من خلال إعانة المنكوبين وإنشاء المستشفيات لمعالجة الفقراء، والقيام بنفقة تجهيز الموتى لغير القادرين، وتحقيق مبدأ التضامن الاجتماعي من خلال رؤية إسلامية.

 

ويحسب لمؤسسها “السبكي” أنه قام بإنشاء مصنع للنسيج أثناء الاحتلال البريطاني لمصر حتى يلبس المصريون من الأقطان التي تخرجها أراضيهم؛ وهو ما عبر عن وعي مبكر بالأشكال المتعددة لمقاومة الاستعمار. كما يحسب للجمعية أن بعض أعضائها استُشهد في ثورة 1919م على يد الاحتلال البريطاني.

ثورة 1919

وقررت الجمعية منذ يومها الأول أنها ليست مكانا للمتواكلين أو الذين يتكاسلون عن طلب الرزق، كما قررت تبرؤها ممن يدعو الناس بقسوة وغلظة، وأعلنت أن منهجها في الدعوة سيكون بالتي هي أحسن وليس بالتي هي أخشن، ولعل هذا النهج هو ما جعلها هي وأعضاءها بعيدين عن التورط في أي عمل يتسم بالعنف.

كما أنها لم تكن في يوم موطنا لأي من الجماعات التي تبنت العنف في الدعوة الإسلامية؛ ولعل ذلك ما جعلها تسير هذه الفترة الطويلة دون حملات قمع من السلطة، بل إن الدولة قدمت لها مساعدات من خلال وزارة الشئون الاجتماعية؛ نظرا لما تقوم به الجمعية من رعاية للفقراء الذين تشملهم الجمعية برعايتها والذين يقدر عددهم بنصف مليون شخص.

عوامل النجاح والاستمرار

ومن العوامل التي ساهمت في تمكين الجمعية الشرعية من الاستمرار هذه الفترة الطويلة وضوح الرسالة الدينية لدى الجمعية في مقاومة البدع والخرافات والقيام بالرعاية الاجتماعية ؛ وهو ما أوجد الثقة من المصريين في أنشطتها والمساهمة فيها بفاعلية، حتى إن بعض الموسرين كان يقوم ببعض مشاريع الجمعية الخيرية بمفرده ثم يقوم بتسليمه إليها.

ومكن ذلك الجمعية من إنشاء ما يقرب من عشرة آلاف مسجد في أرجاء مصر وتوفير الخطباء والنفقات لها، بل القيام بمشروع رائد لرعاية الطفل اليتيم يرعى عشرات الآلاف من الأيتام، وقيامها بمشروع رائد لتشغيل أمهات الأيتام وتسويق منتجاتهن حتى تعلم هؤلاء قيمة الكسب والعمل في الإسلام، بل إنها قامت بتوفير عشرة آلاف لحد لدفن الموتى من فقراء المسلمين بعد. كذلك قامت الجمعية بإنشاء أقسام لعلاج مرضى الفشل الكلوي، وحضانات لرعاية الأطفال المبسترين.

حضانات الجمعية الشرعية

ولم تفرق الجمعية بين المسلمين وغير المسلمين ما داموا محتاجين إلى الخدمة، وغير قادرين على توفيرها؛ لأن الإسلام رحمة للعالمين.

تبنت الجمعية أسلوب اللامركزية في الإدارة، وأعطت لكل من فروعها الخمسمائة القدرة على إدارة شئونه بنفسه، واستطاعت الجمعية أن تتغلب على المشكلة الإدارية في إدارة هذه المشاريع والفروع الكثيرة من خلال ضوابط إدارية، حيث تبنت الجمعية أسلوب اللامركزية في الإدارة، وأعطت لكل من فروعها الخمسمائة القدرة على إدارة شئونه بنفسه بعيدا عن هيمنة الجمعية الرئيسية بالقاهرة، وإن كانت الفروع تخضع لمراجعة في حساباتها من خلال أجهزة رقابة لضمان النزاهة في استخدام المال الخيري بعيدا عن أي شبهة، فالعلاقة بين الجمعية الرئيسية وفروعها هي علاقة ولاء وانتماء وليست علاقة تنظيمية بالمعنى المفهوم في الجمعيات ذات الفروع. كما استعانت الجمعية بمجموعة متميزة من المحاسبين والإداريين والمتخصصين في إدارة شئونها وفق ضوابط إدارية صحيحة حتى يتوفر علماء الجمعية على الوعظ والإرشاد، بينما يقوم المتخصصون بالإدارة الصحيحة لهذا الجسد الكبير.

 

واتسمت الجمعية الشرعية بتغليب قيمة العمل على الجدل، فلم تنغمس في جدل فقهي أو عقائدي يلهيها عن دورها في مقاومة البدع والخرافات التي ألصقها أدعياء التصوف بالإسلام، حيث كانت مقاومتها للبدع من خلال إقامة المساجد وتطبيق الفرائض والسنن وليس بالدخول مع المخالفين في جدل لا يقود إلى عمل.

كما أن دورها في العمل الاجتماعي اتسم بقدر كبير من التجرد وتقديم الخدمة إلى من يحتاجها حتى ولو كان من غير المسلمين، ورغم ذلك فإن بعض الاتجاهات المتشددة وجهت انتقادات قاسية إلى الجمعية الشرعية ورجالاتها في عقيدتهم، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الإيمان بالأسماء والصفات.

لعب المكون الديني الذي تبنته الجمعية الشرعية فكرا وممارسة دورا بارزا في استمرار الجمعية هذه الفترة الطويلة، وفي فاعليتها في أداء دورها مقارنة بغيرها من الجمعيات
وقد لعب المكون الديني الذي تبنته الجمعية الشرعية فكرا وممارسة دورا بارزا في استمرار الجمعية هذه الفترة الطويلة، وفي فاعليتها في أداء دورها مقارنة بغيرها من الجمعيات، ففي مصر حوالي (16) ألف جمعية أهلية يعمل من خلالها (3) ملايين شخص، تشكل الجمعيات الإسلامية منها حوالي 35%، ورغم هذا العدد الضخم فإن الفاعلية قليلة، وتأتي الجمعية الشرعية في مقدمة الجمعيات الفاعلة في المجتمع المصري. ويرى البعض أن هذا النجاح يرجع إلى تناقص قدرة الدولة في توزيع الخدمات، إضافة إلى الأزمات الحادة التي يتعرض لها المجتمع، وقدرة الجمعية على الموازنة بين دورها الديني ودورها الاجتماعي.

رؤساء الجمعية

تولى رئاسة الجمعية الشرعية عدد من الرجال، شهدت خلالهم الجمعية توسعا ملحوظا في خدماتها وأدوارها، وهم:

الشيخ محمود محمد خطاب السبكي:

وهو مؤسس الجمعية ولد في (19 من ذي القعدة 1274هـ= 1من يوليو 1858م)، وكان من علماء الأزهر، وله عدد من المؤلفات، منها كتاب “الدين الخالص”، و”المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود”. توفي في (14 من ربيع الأول 1352هـ=7 من يوليو 1933م).

 

الشيخ أمين محمود محمد خطاب السبكي:

وهو نجل “السبكي” المؤسس، وتولى رئاسة الجمعية بعد رحيل والده، وظل الشيخ أمين رئيسًا لها حتى وفاته، وقام بتحقيق مؤلفات والده، ومن مؤلفاته “إرشاد الناسك إلى عمل المناسك”، و”الفتاوى الأمينية” تضمن فتاواه في مناحي الحياة المختلفة، وفي عهده انتشرت مساجد الجمعية في كثير من أرجاء مصر. توفي في (27 من ذي القعدة 1387هـ=26من فبراير 1968م).

 

 الشيخ يوسف أمين محمود محمد خطاب السبكي:

وتولى رئاسة الجمعية بعد رحيل والده، وظل الشيخ يوسف رئيسًا لها حتى وفاته في (30 من صفر 1396هـ=1من مارس 1976م).

 

الشيخ عبد اللطيف مشتهري:

وهو من أشهر رؤساء الجمعية بعد مؤسسها، وشهد عهده انطلاقة كبير للجمعية وأنشطتها في مصر، وكان من العلماء ذوي المكانة والوجاهة. توفي في (غرة ربيع الآخر سنة 1416هـ=28من أغسطس 1995م).

 

الشيخ محمود عبد الوهاب فايد:

وكان من العلماء ومن المشتغلين بالصحافة، وله مؤلفات منها “صيحة الحق”. توفي في (6 من صفر 1418هـ=12 من يونيو 1997م).

 

الشيخ الدكتور فؤاد علي مخيمر:

وهو من علماء الأزهر، وكان من المتجردين لعمل الجمعية حتى إنه ترك بيته بعد تولي رئاستها، وسكن في مقر الجمعية حتى يباشر مصالح المسلمين، ومن مؤلفاته “السنة والبدعة بين التأصيل والتطبيق” و”الشباب وقضايا العصر” و”قبسات من المنهج التربوي في السنة”. توفي في (13 من صفر 1423هـ=24 من إبريل 2002م)

 

الشيخ الدكتور محمد المختار محمد المهدي:

ولد فضيلة الإمام محمد المختار المهدي في قرية تِصْفا مركز كفر شكر بمحافظة القليوبية، في 22 صفر عام 1358هـ، الموافق 12 أبريل عام 1939م.

حفظ القرآن الكريم، والتحق بالأزهر الشريف، ثم حصل على شهادة الدكتوراه في عام 1976م مع مرتبة الشرف الأولى.

وكان لفضيلة الإمام محمد المختار المهدي العديد من الأنشطة العلمية والصحفية والدعوية، بالإضافة إلى عضوية العديد من الهيئات، وفي مقدمتها هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، ومجمع البحوث الإسلامية

 وفي عهد الإمام المختار المهدي حصلت الجمعية الشرعية على جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام لعام 2009م.

وقد توفي رحمه الله فجر الأحد 5 جمادى الأولى 1437هـ الموافق 14 فبراير 2016م.

 

فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الفتاح عيسى البربري- الإمام الحالى للجمعية الشرعية

التحق أ.د. عبد الفتاح البربري بركب الجمعية الشرعية، وتم اختياره وكيلاً علميًّا للجمعية الشرعية.. ثم رئيسًا لمجلس الإدارة خلفًا لفضيلة أ. د. محمد المختار المهدي رحمة الله ..

 

المصدر ... archive.islamonline.net