علماء بلا اخلاق . . . فيرنر فون براون


: 577


: سهيل صلاح الدين

: 2019-06-14 01:42:35


:


عندما نبحر في صفحات التاريخ، فإننا نقرأ عن علماء استحقوا بأن تكتب اسماؤهم من ذهب، لما قدموه من علم نافع، وأخلاق عالية، تنتفع بها البشرية إلى اليوم، ولايزال ذكرى ماقدموه حاضرا إلى اليوم، لم تمحى اسماؤهم على مدى الزمان.

وعلماء آخرون كرسوا حياتهم في طلب العلم،وكانوا يسهرون الليالي لا ينامون،من أجل العلم، فتأتي النتيجة بعالم بلا ضمير يضحي بحياة الناس لأجل إثبات وجهة نظر معينة، لا يبالي بما يسمعه منهم من أصوات آهات ،وآلام! وآخرون يكتمون علمهم ولا يعلموه إلا للفاسدين، لأجل أن يضمنوا أنهم على خطاهم سائرون، فغابت اﻷخلاق.

فيرنر فون براون وصفته مجلة التايمز الأمريكية بأنه أحد أهم شخصيات القرن العشرين ورمزاً لملاحة الفضاء في الغرب، في حين اعتبره أخرون مجرم حرب.رغم هذه التناقضات، يعتبر فون براون من الرواد الأوائل في مجال بحث وتطوير الصواريخ فهو الرجل الذى صمم صاروخ v2  الذي ساعد أمريكا في الوصول إلى القمر، وكانت لديه خطة، سابقة لأوانها كما يبدو، لاستكشاف مناطق أكثر عمقًا في الفضاء.

فيرنر فون براون شخصية العام على مجلة التايمز

في التاسع من مارس/آذار سنة 1955، التف اثنان وأربعون مليون أمريكي، أي نحو ربع إجمالي سكان الولايات المتحدة في ذلك الوقت، حول شاشات التلفاز لمتابعة مجموعة حلقات تلفزيونية جديدة من إنتاج ديزني.

لم تكن الشخصية الرئيسية في هذه الحلقات فأرًا راقصًا، أو أميرات في خطر، أو ذوات حوافر فقدّت أبويها، بل رجلًا في الفضاء يقف أمام مهندس صواريخ وسيم وودود، وقادر على جذب الانتباه يعرض تصوره لاستكشاف الكون في المستقبل.

وكان فيرنر فون براون، الذي ظهر محاطًا بنماذج مركبات فضائية منحوتة بعناية، وأعمال فنية مستقبلية، يوجه حديثه إلى المشاهد، كاشفا النقاب عن خطته لبناء سفينة فضائية عملية تحمل الركاب يمكن تنفيذها، بحسب زعمه، في غضون 10 سنوات.

فيرنر فون براون كما ظهر فى حلقة دعاية ديزنى

كما تضمن البرنامج رسومًا متحركة درامية تأسر العقول، ومقطوعاتٍ موسيقية أوركسترالية مشوّقة، وبدلات فضاء بحجمها الأصلي، ورسومًا بيانية تفصيلية.

 وقبل عشر سنوات كان فون براون يقوم بصناعة صواريخ v2 التي استعملها هتلر، وهي عبارة عن قذائف بالستيّة صُنعت بسواعد عمال مستعبدين، واستهدفت المدنيين في أنحاء أوروبا. ثم أضحى أبرز الشخصيات التي تمثل برنامج الفضاء الأمريكي، وضيفًا مقبولًا ومُرحّبًا به في المنازل في كافة أنحاء أمريكا.

أدولف هتلر 

أما اليوم، فإن تباين الآراء حول مهندس الصواريخ الألماني ربما يفوق ما كان عليه في خمسينيات القرن العشرين. فعلى الرغم من أن بعض المؤرخين يرون أنه كان انتهازيا ويفتقد الجانب الأخلاقي عندما استغل رغبة هتلر في الحصول على سلاح متقدم، بغية تلبيه طموحاته في استكشاف الفضاء، إلا أنه في نظر الكثيرين غيرهم لا يزال بطلًا لما لديه من تصورات في مجال الفضاء، تمكّن من خلالها من إحراز الفوز في السباق للوصول إلى القمر، وقدم لأمريكا خارطة طريق نحو النجوم.

هل تغفر انجازات الحاضر .. جرائم الماضى .. فون براون .. رائد نازى أما عالم ناس !!

كانت ألمانيا إبان الحكم النازي أول من وضع أسس برنامج الصواريخ البالستية وذلك على يد العالم الألماني "فيرنر فون براون", فبعد جهود كبيرة جدا من هذا العالم وفريقه وعشرات التجارب الفاشلة والقاتلة, وألاف التضحيات من العمال وأسرى الحرب الذين تم تسخريهم لهذا الغرض(يقال بأن أكثر من 12 ألف أسير حرب لقي حتفه في هذا البرنامج), استطاع " براون" في نهاية المطاف أن ينجح في مسعاه من خلال ابتكار الصاروخ الذي أُطلق عليه اسم V2  وهو اختصار للكلمة الألمانية "Vergeltungswaffe" والتي تعني سلاح الانتقام  .

صاروخ V2

في البداية لم يكن بعض أعضاء القيادة العليا في الجيش الألماني ومن بينهم هتلر نفسه متحمسين لهذا النوع من الأسلحة نظرا لكلفة إنتاجه الباهظة ولاعتقادهم بأن تأثيره لن يختلف كثيرا عن سلاح المدفعية التقليدي, ولكن سرعان ما تبددت تلك النظرة بعد التجارب الأولى له, وأمام هزائم النازيين في معارك ستالينغراد وكورسك على الجبهة الشرقية أمام الجيش الأحمر السوفياتي في عام 1943 وجد هتلر في هذا السلاح ضالته واعتقد بأن بوسعه أن يغير نتيجة الحرب التي بدأت تميل كفتها آنذاك لصالح الحلفاء.

المانيا النازية

ولكن الوقت كان قد داهم النازيين بالفعل, ففي 6 حزيران عام 1944 رست سفن الحلفاء على شاطىء النورماندي في فرنسا المحتلة, وبدا وكأن يوم بداية النهاية بالنسبة لألمانيا النازية قد بدأ. مع هذا استطاع الألمان لاحقا إطلاق أكثر من 1300 من هذه الصواريخ على بريطانيا بدءا من ربيع عام 1944، وبينما كانت قوات الحلفاء تواصل زحفها غرب أوروبا نحو ألمانيا، أُمطرت كل من بلجيكا وفرنسا بمئات أخرى منها, لكنها في نهاية المطاف لم تستطع التأثير على مجرى الحرب.

انزال النورماندى

فون بروان . . . من أعطى الحياة لبرنامج الفضاء الأمريكي

بعد استسلام ألمانيا في مايو عام 1945 تسابق الحلفاء على وضع أيديهم على علماء وخبرات ألمانيا, وفي عملية استخبارتية أُطلق عليها اسم "عملية مشبك الورق" وضعت الاستخبارات الأمريكية يدها على حوالي 1600 من العلماء والمهندسين الألمان مع كوادرهم في مختلف الاختصاصات للاستفادة من خبراتهم لاحقا في أمريكا ذاتها, بالطبع كان على رأسهم المسؤول المباشر عن مقتل ألاف الأشخاص في أوربا والحاصل على وسام صليب الاستحقاق الحربي وهو من أعلى الأوسمة في ألمانيا والذي كان بنفس الوقت أيضا ضابطاً يحمل رتبة رائد في وحدات الـ SS أكثر الوحدات الألمانية نفوذا وتأثيرا العالم "فيرنر فون براون", (بينما استطاع الاتحاد السوفياتي آنذاك الاستيلاء على المصنع الأساسي للصاروخ v2))

استسلام فيرنر فون براون للحلفاء نهاية الحرب العالمية الثانية

علماء عملية مشبك الورق فى قبضة الحلفاءويظهر فيرنر فون براون فى منتصف الصورة

في أمريكا غُفر لـ"براون" كل ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقُدمت له كل الإمكانيات من أجل تسخير خبراته في تطوير الصناعة الحربية والفضائية, وأصبح فيما بعد أشهر علماء وكالة ناسا الفضائية والأب الروحي للبرنامج الفضائي الأمريكي, حصل على الجنسية الأمريكية وعلى قلادة العلوم الوطنية الأمريكية تقديرا لجهوده, وتوفي أمريكا في عام 1977

 

وإذا كنتم في مَحَل الرئيس الأمريكي جون. ف. كينيدي  في نهاية الحرب العالمية الثانية يعد شعبه بالذهاب إلى القمر قبل نهاية العِقد، فإنكم ملزمون كل الإلزام بأخذ النصيحة والعلم اللذين يوفرهما من ساعد على تطوير الأسلحة التي أبادت مئات الآلاف من شعبك في سنواتٍ معدودة؛ أى العلماء النازيون!

الرئيس الأمريكي جون. ف. كينيدي

لا تتعجبوا كثيرًا من موقف الرئيس كينيدي، فالسباق نحو الفضاء space race الذي بدأ بعد الحرب العالمية الثانية ليس بمشكلةٍ هينة لنبدأ البحث عن كيفية تنفيذها من الخطوة الأولى، ليس عندما يكون منافسك هو الاتحاد السوفيتي على أي حال.

الرئيس الأمريكي جون. ف. كينيدي و فيرنر فون براون

انتهت الحرب العالمية الثانية، سقطت برلين، والغنائم ليست الأرض أو المال هذه المرة، ولكن العقول البشرية. وبسبب النظرة المستقبلية التي يتمتع بها السياسيون الأمريكان أدركوا مدى أهمية العقول البشرية النازية في مساعدتهم إن كانوا يريدون حجز مكان في السباق نحو الفضاء. لذلك خصصت أمريكا عملية مشبك الورق .

في الحقيقة نحن اليوم مدينون جميعا لجهود هذا الرجل, فعند الحديث عن الفضاء لا بد وأن يكون اسم "براون" حاضرا وبقوة, لقد قادنا نحو القمر والمريخ والفضاء بأسره, التقنيات التي ابتكرها هي التي أوصلت كل قمر صناعي وكل مكوك أو مسبار أو مرصد إلى الفضاء, عندما نفكر بمسيرة حياة هذا الرجل نشعر بتناقضات الحياة بشكل لا مثيل له.

المولد النشأة

فون براون ألماني الأصل وحصل على الدكتوراه في الفيزياء من برلين، ألمانيا. اكتشف فون براون ولعه بالفضاء منذ أهدته أمه تلسكوبًا في سن الرابعة عشرة، وكان يحلم بإنشاء صواريخ قادرة على إرسال البشر إلى الفضاء. في 1932 وأثناء رحلته لتحقيق ذلك الحلم، انضم فون براون (الذي كان عضوًا في الحزب النازي وقتها) للجيش الألماني الذي كان مهتمًا بتطوير الصواريخ آنذاك.

 

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية برز نجم براون، حيث كان العقل وراء تطوير الصواريخ الباليستية بعيدة المدى long-range ballistic missile التي سميت بـ V-2.

وفي أواخر 1942 كان أول اختبار للصاروخ v-2 ونجح بالفعل ليصبح أول صاروخ يداعب الفضاء الخارجي على ارتفاع 80 كم. ولكن  دعونا لا ننسى، فهدف ألمانيا النازية لم يكن العلم من أجل ذاته! فصاروخ V-2 هو نفسه الذي أُطلق لاحقًا على لندن مسببًا موت ما يقرب من 20000 من المدنيين.

دمار خلفه صاروخ V2

انتهت الحرب وقُتل الكثيرون، ولم ينجح براون في إيصال البشر إلى الفضاء كما تمنى، ولكن القدر أعطى براون وصواريخ الـ v-2 فرصة أخرى ليثبتوا جدارتهم في شيء عدا الشروع في القتل وجرائم الحرب! فعقب انتهاء الحرب استسلم براون وفريقه إلى الجانب الأمريكى . 

وعند وصول براون إلى أمريكا أهدى كل علمه للأمريكان والجيش الأمريكي ليساعدهم على بناء المزيد من صواريخ الـ v-2. كما بدأت أمريكا في استخدام براون ليساعدهم في الوصول إلى عقول الشعب الأمريكي ليشرح لهم أهمية السعي نحو الفضاء وإبقاء البرنامج الأمريكي الفضائي على قيد الحياة.

في أقل من 3 سنوات من بدء العمل تم إنتاج أول صاروخ باليستي أمريكي وسُمي بـ The Redstone، وفي 1958 تم التعديل على الـ Redstone وسُمي بـ Jupiter C واسُتخدام في إطلاق إكسبلورر 1  Explorer 1، أول قمر اصطناعي أمريكي.

 

 

تحقيق الحُلم

عام 1960 تم نقل براون إلى المركز الفضائي الجديد؛ National Aeronautics and Space Administrationالمعروف بناسا، وأصبح أول من يدير المركز. وفي العام التالي بدأ براون في تحصيل ثمار عمله المضني عندما استُخدِم صاروخ Jupiter C في إرسال أول رائدين فضائيين إلى الفضاء ضمن برنامج Mercury، وهو ما كان يطمح إليه براون منذ بداية رحلته في الجيش النازي.

وتستمر الأخبار الجيدة بالتوالي، ففي عام 1961 وتحت إشراف فون براون، قام فريق من المهندسين في ناسا بتطوير سلسلة الصواريخ Saturn، التي استخدم منها Saturn V ليقوم بإطلاق المهمة الشهيرة Apollo 11 التي هبطت على سطح القمر لأول مرة في التاريخ.

هبوط الانسان على سطح القمر

بالطبع، لم يكن براون الوحيد صاحب الفضل في ميلاد برنامج الفضاء الأمريكي، فالإنجاز كان على يد ترسانة كاملة من العلماء، منهم والتر دورنبجر، كونارد دوننبرج، فيرنر دام وآخرون . . . فلا تتعجب إن كان بعض هؤلاء أعضاء سابقين لجيش الرايخ الثالث أو أصدقاء لهتلر نفسه.

والتر دورنبجر  بالزى النازى

السوفيت على نفس الطريق

سار الاتحاد السوفيتي على نفس خُطى الأمريكان وأرسل فريقا إلى ألمانيا ليتحرى عن أمر صواريخ v2 . . انتهى هذا الفريق بجمع بعض العلماء الألمان والعودة بهم إلى الاتحاد السوفيتي، ولكن على عكس الأمريكان، لم يدع السوفيت للعلماء الألمان التوغل في بلادهم وحصد المناصب العلمية العليا. فبمجرد حصول السوفيت على المعلومات المطلوبة لتطوير الصواريخ تم نفي العلماء الألمان إلى ألمانيا الشرقية.

وبعد انتهاء الحرب بغمضة عين؛ في أوائل الخمسينيات، فاجأ الاتحاد السوفيتي الجميع بتطوير صواريخ عابرة للقارات، ولاحقا فى آواخر الخمسينات باستخدامها فى إطلاق القمر الصناعى  Spotnik؛ أول جسم صناعي يدور حول الأرض.

قاد عملية تطوير الصواريخ  العالم الروسي الشهير سيرجى كورليف الذى كان أيضا على رأس الفريق الذى أرسل إلى ألمانيا للتحقيق فى أمر صواريخ v2 .  

سيرجى كورليف

قد ينزعج البعض أن من أعطى الحياة للبرنامج الفضائي الأمريكي والروسي هم علماء نازيون سابقون، منهم من شجع هتلر وآمن بالنظام النازي وساعد على قتل آلاف المدنيين الأبرياء. آخرون لا يهتمون بماضي العلماء وما اقترفوه بالأمس، إنما يهتمون بما يمكن أن ينتجه هؤلاء العلماء الآن وكيف يمكن أن نستغل عقولهم لما هو أصلح.

أيًّا كان ما تظنون، فالواقع قد تحدث! وشئنا أم أبينا، فقد ساهمت النازية واختياراتها في بعض الأوقات في وجود البرنامج الفضائي وتسارعه، والان هل تعرفتم على تأثير الفراشة؟

 

 

المصدر . . ياسمين سيف . .  www.ida2at.com . .  www.bbc.com . . ويكيبيديا